الاثنين، 16 يونيو، 2008

استخدام التمرين في تعليم الفلسفة

الجامعة اللبنانية المادة: تعليم مادة الاختصاص
كلية التربية الشهادة: الكفاءة في التعليم الثانوي
العمادة الاختصاص: فلسفة وحضارات







استخدام التمرين في تعليم الفلسفة




إعداد: هشام شحرور

إشراف: د. سمير زيدان





العام الجامعي: 2007 – 2008



المحتوى:

- مقدمة
- أولاً: التمرين الفلسفي
- ثانياً: تجارب الآخرين
- ثالثاً: القدرات المستهدفة لدى المتعلّم
- رابعاً: كيف يستعد المعلم للحصص التعليمية المشتملة على تمارين؟
- خامساً: أشكال تطبيق التمرين
- سادساً: كيفية وضع التمرين
- سابعاً: نماذج من التمارين
- خاتمة


مقدمة

إن اختيار الشخصيات والمدارس الفلسفية التي يجب أن يتضمنها المناهج التربوية للمرحلة الثانوية مسألة تتعلق بالأهداف التي نبتغي تحققها من أجل إعداد الطالب الذي نريد وبالتالي المواطن الذي نريد، آخذين بعين الاعتبار الوضع الثقافي والاجتماعي والسياسي للمجتمع الذي نعيش وما هي الأهداف التي نسعى إليها، أي صورة المجتمع الذي نسعى إليه.
في البداية نورد ملاحظتين أساسيتين تشكلان القاعدة الأساسية لاختيار الأهداف، الأولى الحالة التي نعيشها والثانية الغاية التي نريدها.
أولاً، إننا في لبنان نعيش انقسامات ثقافية وتباينات مذهبية حادة نمت وتفاقمت ثانوياً مع الحرب الأهلية مما جعل الانتماء للوطن وحدة الصف الوطني حلماً.
ثانياً، إننا جزء من الأمة التي تخوض صراعها الحضاري مع التحديات التي فرضت وما زالت تفرض عليها من الغرب الاستعماري الذي عزم على إبقاء الأمة في التخلف بتفتيت الأمة وإنشاء سلسلة من الدول ذات السيادة المحدودة وحل مشكلة الاستيطان الصهيوني بإقامة كيان لهم على أرض فلسطين.
ويبقى التساؤل وتزداد أهميته عما يجب علينا فعله وعما يمكننا أن نأخذه من الغرب الذي بهرنا بتقدمه وتطوره لإحياء مجتمعنا والخروج به من الحال الذي نحن فيه دون الوقوع في عقدة الدونية ودون أن نصبح امتداداً هامشياً وذيلياً وملحقاً بتبعية سياسية واقتصادية ومنهجية للغرب؟ وكيف السبيل إلى التطوير مع الحفاظ على هوية الأمة الحضارية وعدم طمس معالمها القومية؟
فالفلسفة ازداد نطاق اهتمامها بالإنسان والتزامها بالتفكير في المشاكل الملحّة والواقعية للوضع الإنسان خصوصاً في زمن العالمية والعولمة وهذه المشاكل تتعلق بحقوق البشر.. والاستعمار بأشكاله المستحدثة وتهجيره الشعوب وسلبها أوطانهم ورسم حدود الأوطان بإرادة الأقوياء ما يمكن تسميته بالظلم الأممي، يوجب أكثر من ذي قبل التفكير في الغايات والقيم التي لا بد للعمل التربوي من اعتمادها. فهل يمكن فصل السياسي عن التربوي في مشكلة التربية على المواطنة؟
إن العلوم التربوية غير قادرة على إبطال الحاجة إلى فلسفة التربية. والفلسفة عملية تواصل مستمر مع الكائنات والمشاكل. يقول كانط: «ليس هناك فلسفة نتعلمها إنما نستطيع أن نتعلم كيف نتفلسف».
فالأسئلة في مجال الفكر الفلسفي هي أكثر أهمية من الأجوبة وكل جواب هو دائماً بمثابة سؤال جديد. فإن قيمة الفكر الفلسفي في أصالته ولا أصالة إلا في إطار منهج جدلي.
حافظت الفلسفة على صفة الشمولية ولكن ازداد نطاق اهتمامها بالإنسان، إن هذا الاتجاه الإنساني للفلسفة يؤكد التزامها في عصرنا.
ثمة مشاكل هائلة تستوجب فلسفة إنسانية تقود السياسة الدولية على أساس تشريعات عادلة تغلق على الأقوياء سبل استغلالها، بل توجب على رؤساء الدول أن يكونوا مثقفين، يقول كلود برنار: «إنني أفضل معرفة أقل وفهماً أفضل». وبالتالي نحن نريد: طالباً منفتحاً على كل الثقافات، يملك عقلاً تحليلياً توليفياً ناقداً لا يأخذ التراث كمسلّمات كما هو.
وإننا نرى أن القراءة الجيدة الواعية للنصوص بمقاربة متفهمة وناقدة تحول بين المتعلّم وبين مخاطر الوقوع في التبعية والعقم الفكري والتقولب المذهبي: إذ يجب ان نتعلم كيف نفكر ونقوّم ما نقرأ وليس فقط معرفة المضمون.
ويجب أن تنظر الفلسفة نظرة نقدية أو تتضمن موقفاً نقدياً في الحلول المطروحة وفي الفكر الذي استنبط هذه الحلول. وقد خطا الغزالي في هذا الاتجاه خطوة هامة لكن الفلسفة النقدية أخذت مداها الواسع بعد ذلك عند ديكارت في القرن السابع عشر.
ولما كان تعليم الفلسفة في لبنان يُعاني جملةً من العوائق التي تقف حائلاً دون اكتساب المتعلمين للمعارف الفلسفية، فقد يكون مفيداً الإضاءة على بعض هذه العوائق سعياً إلى تلافيها ومنها:
- طرائق التعليم التلقينية والتي عانى القطاع التعليمي في لبنان في استشرائها وتجذرها – ولا يزال – بحيث خفقت المنهجية الجديدة منها ولم تلغيها نتيجة عوامل عدة منها التربوي ومنها السياسي والتي حالت وتحول دون استفادة المتعلمين من هذه المعارف استفادةً توظيفيةً.
- الأنشطة المحدودة المعتمدة في إطار تعليم الفلسفة بما يسرّع من وقوع المتعلم في الملل.
- الانطباع السلبي السائد عن الفلسفة وعلومها بما يؤثر في الإقبال النفسي للمتعلمين تجاهها.
- العلامات المحدودة التي يحصل عليها المتعلم في اختبارات الفلسفة قياساً بالمواد الأخرى.
وسواها الكثير من العناصر السالبة التي تؤثر في تعليم الفلسفة وتجعله بعيداً عن أن يلعب دوره المفترض في لبنان.
يقول ديوي: «التربية الجديدة هي تلك التي يسبق نشاط الطلاب فيها المعارف التي يقدمها المعلم». من هنا، كان لزاماً على الباحثين في مجال تعليم الفلسفة السعي في اقتراح سبل وآليات تساعد على تجاوز هذه المعوقات، فكان المنطلق في رصد تجارب الآخرين. وتفيدنا الكتب والمراجع والمواقع الالكترونية المختلفة بالكثير عن تجارب فرنسا بشكل أساسي ومن بعدها دول المغرب العربي التي سارت على خطاها بحيث تم إقحام التمارين في تعليم الفلسفة كوسيلة فعّالة تتلائم مع أهداف المنهج القائمة على بناء التفكير النقدي والمحاكمة العقلية لدى المتعلم وقبول الاختلاف والتفاعل مع متغيرات العصر.

أولاً، التمرين الفلسفي:


بدايةً، تشكل التمارين الفلسفية واحدة من أبرز القضايا الرئيسية التي يرتكز عليها تعليم مادة الفلسفة في التعليم الثانوي؛ فالدرس الفلسفي هو تمرين مستمر على ممارسة التفكير الفلسفي بما يقوم عليه من عمليات ذهنية وما يستدعيه من مهارات وما يعتمده من أدوات تستمد من تفلسف الفلاسفة أنفسهم
فكيف يتأتى القيام بتحويل ديداكتيكي يجعل ممارسات الفلاسفة للتفلسف أفعالاً قابلة للتعليم والتعلم؟


1 – التمارين الفلسفية وتعلم التفلسف:
يقترن الحديث عن التمارين الفلسفية بالأهداف الأساسية التي رسمها الفلاسفة وهم يعلمون الفلسفة أو يؤسسون نظرية بيداغوجية لتعليمها. يقول كانط بهذا الصدد: «الفلسفة هي مجرد فكرة عن علم ممكن، ليست معطاة بصفة مشخصة في أي مكان، بل علينا أن نسعى إلى الاقتراب منها بطرق مختلفة إلى أن نكشف السبيل المؤدي إليها والذي تخفيه الحساسية، وأن ننجح بالقدر الذي تسمح به وضعيتنا كبشر في جعل النسخة المفتقدة لحد الآن مشابهة للأصل. وإلى ذلك الحين لا يمكن للمرء إلا أن يتعلم التفلسف، أي أن يمارس موهبة العقل، متبعاً مبادئه ومطبقاً كل ذلك على بعض المحاولات المتوفرة، ولكن دائماً مع الاحتفاظ للعقل بحقه في أن يفحص تلك المحاولات في أصولها وأن يؤكدها أو يرفضها».
إن مراهنة التعليم الفلسفي، عند كانط، على تعلم التفلسف يمكن بالأساس في ممارسة موهبة العقل وتطبيق مبادئه على المحاولات المتوفرة، وهذا يعني أن فعل التفلسف لا يتم من فراغ، بل إنه ينطلق من قراءة نصوص فلسفية تتيحها المحاولات التي يوفرها تاريخ الفلسفة، دون التعامل مع تلك النصوص باعتبارها تقدم معرفة جاهزة، لأن «من يعلم التفلسف – يقول كانط - لا يلقن تلامذته الأفكار المطلقة ولا يقوم مقام الوصي على عقولهم، بل يرشدهم إلى طريق العمل والتفكير الشخصي، بحيث لا يكون التراث الفلسفي أمامه إلا كتظاهرة من تظاهرات تاريخ استخدام العقل وبمثابة موضوعات لترويض الموهبة الفلسفية». وانطلاقاً من ذلك ينبغي الإقرار بأن التدريس ليس نشاطاً للإنتاج أو التواصل بالمعنى الذي يفيد النقل، بل إن «التدريس – كما يرى هيدغر – لا يعني شيئاً آخر سوى ترك الآخرين يتعلمون». غير أنه «لا يمكن لأي واحد منا – كما يرى شيلينغ - أن يصل إلى تعلم التفلسف دون تمرين، بقدر ما لا يمكننا أن نتفلسف بشكل طبيعي مثلما نفكر طبيعياً».
من خلال هذا التصور الفلسفي للتعليم كتمرين مستمر على التفكير الفلسفي يمكن بلورة الاستنتاجات التالية:


أ – إن الفلسفة ليست معرفة جاهزة بل هي، قبل كل شيء، نشاط للتفكير، وهذا يعني القول بضرورة التمارين الفلسفية، خصوصاً حينما يتعلق الأمر بتدريس الفلسفة كمادة مدرسية.
ب – الفلسفة إبداع ذاتي، وفي الأساس الفردي لإبداعها تكمن إحدى أسباب مراهنة التعليم الفلسفي على مبدأ التعلم الذاتي لتعلم التفلسف والتمرين عليه.
ج – إن الإبداع والتميز في تفلسف الفلاسفة ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار في تعلم التفلسف كفعل بيداغوجي تنخرط فيه جماعة الفصل الدراسي من خلال جعله ممارسة فردية تقود المتعلم إلى الانخراط في ذلك الفعل والاقتناع بالقيام به، ذلك وكما يقول فرانسوا ليوطار، «إننا أمام مسؤولية أعمق من تعويد التلميذ على التفكير لوحده، بل جعل ذلك مبدءاً أخلاقياً بالنسبة إليه». إن القول بأن الفلسفة لا تقدم معرفة بل تفكيراً لا يجب أن يفهم كتقليل من أهمية المضمون المعرفي في الدرس الفلسفي، بما في ذلك ما يتضمنه ذلك الدرس من تمارين، بقدر ما يفيد كون الفلسفة لا تمنح معارف جاهزة يتعين اكتسابها بصورة مباشرة وكأنها حقائق نهائية، بل ينبغي إقامة علاقة تفكير وتفلسف مع ذلك المحتوى، علماً بأنه لا يتأتى يبين حركية الفكر إلا في ارتباطه بالمحتويات التي يطبق عليها وينتج ذاته بواسطتها.
وإذا كان «السؤال في الفلسفة أهم من الجواب» كما يرى كارل ياسبرز K.Jaspers، فإن هذا لا يعني حصر نشاط التفلسف في عملية التساؤل دون توقف، لأن ذلك من شأنه أن يدخل الفكر في متاهة تجعله يقع في موقف كسول يكتفي بطرح الأسئلة دون عناء البحث لإيجاد أجوبة عنها.

ثانياً، تجارب الآخرين:


ولا بد من الإشارة إلى أن لبنان ليس الوحيد الذي يعاني تعليم الفلسفة فيه من مشاكل ومعوقات بل إن بلاداً أخرى كانت تعاني من هذه المشاكل ومنها من لا تحوي مناهجه التعليمية إشارة إلى الفلسفة وأساسها. ولكن الجدير ذكره والإفادة منه هو تجربة الفرنسيين الذين سبقونا في المعاناة وفي ابتكار الحلول وتطبيقها.
وقد وضع هؤلاء بحوثاً ودراسات مطولة انعكست على مناهجهم الدراسية تحسناً مضطرداً.. ومن هذه النتاجات الحسنة كان اعتماد التمارين الفلسفية كوسيلة تعليمية بعد اختبارهم لفاعليتها في تنشيط تعلم الفلسفة.
والتمارين هي تطبيقات صفية ولا صفية متنوعة يمكن استخدامها بما يخدم أهداف المقرر ويلبي حاجات المعلمين.
وتسهم التمارين في اكتساب المتعلم قدرات وكفايات محددة من خلال إنتاجها لوضعيات تعليمية واختبارية تخدم الأهداف النهائية بطريقة مبسطة نوعاً ما، وتفيد المعلم في تقييم أداء المتعلم ومكتسباته إن على مستوى الفهم الفلسفي ومن ثم التفلسف ام على مستوى إنتاج كتابة فلسفية فضلاً عن البعد الآخر المتمثل بامتلاك المتعلم لناحية فهم وتطبيق المفهمة والأشكلة والمحججة في سياق العملية التعليمية لمادة الفلسفة.
وقد يطرح البعض إشكالية أن من شأن التمارين الفلسفية (من حيث أنها مقننة) أن تحدّ من حرية المعلم وهامش الإبداع لديه، ولكن الجواب هو أن التمارين كأنشطة مفعّلة للعملية التعليمية تغني تدريس الفلسفة وتعطيها طابعاً تطبيقياً ينقلها من الموقع التنظيري إلى الموقع التطبيقي المُعاش.
وذلك كله في سبيل الوصول بالمتعلمين إلى اكتساب الكفايات والقدرات المستهدفة في المنهج ومنها القدرة على التفكير والاكتشاف. يقول بياجيه في هذا السياق: «الهدف الرئيسي للتربية هو خلق أفراد قادرين على فعل أشياء جديدة لا تكرارٍ ما فعلته الأجيال السابقة، وخلف أفراد يتميزون بالإبداع والابتكار والاكتشاف».
خلاصة القول أن التمارين الفلسفية تساعد المتعلمين على التفاعل مع وضعيات فلسفية، بعدما كانت محورية المعلم وسيادة الطريقة التلقينية تحولان دون وصول المتعلم إلى هذا المصاف، وكما يقول ميشال توزي أن «على المعلم أن لا يسأل نفسه ماذا أقول للطلاب؟ بل أن يتساءل ما المهام التي سأوكلهم بها بحيث يضحون قادرين – مثلاً – على فهم نص فلسفي أو استخراج إشكاليته أو إجراء مقارنة بين آراء فيلسوفٍ وآخر»، بالإضافة إلى ما هي التمارين أو الطرائق أو التقنيات التي تتلائم مع هذا الدرس أو هذه الوحدة التعليمية؟
إذن فالمطلوب من المتعلمين ليس أن يتعرفوا فحسب على تفكير الفلاسفة بل أن يفكروا هم بأنفسهم تفكيراً فلسفياً وأن يكتبوا بأنفسهم كتابةً فلسفية ذلك أن تعامل المتعلمين مع النصوص الفلسفية يعرفهم على التفكير الفلسفي من حيث هو تفكير يقطع مع البداهات العامة والأحكام المسبقة ويطرح إشكاليات يسعى إلى حلها بكيفية منهجية.

ثالثاً، القدرات المستهدفة لدى المتعلم:


حيث أن المطلوب من المتعلم أن يفكر ويكتب فلسفياً – كما سبق وأن أوردنا – فإن على المعلم أن يُعنى بتمكينه من التعامل مع النص والموضوع الفلسفيين فهماً وأشكلةً ومحاججة..
وهو ما يُطلب من المتعلم في المقال الفلسفي تحليلاً كان أو إنشاء: ففي تحليل النصّ يطلب منه أن يتبيّن إشكالية النصّ وأن يطرحها طرحاً سليماً، وأن يتعرّف على أطروحة الكاتب، والأطروحة المستبعدة، وشبكة المفاهيم، وطريقة الحجاج، ورهانات النصّ وأن يبيّن بالاعتماد على تفكيره الخاصّ مدى وجاهة أطروحة الكاتب وأن يعبّر عن ذلك بأسلوب دقيق منطقي وواضح. وفي الإنشاء يطلب منه تحديد إشكالية الموضوع والتعبير عنها بكيفية سليمة والتدرّج في حلّها بالاشتغال على المفاهيم وتوظيف المعلومات والاستدلال والنقاش.
ولكن كيف يمكن للمتعلم أن يمتلك كلّ هذه القدرات وأن ينسّق بينها في مقال متكامل إن لم ندرّبه على ذلك تدريجياً في حصص مخصّصة لهذا الغرض؟
إنّ ما يقوم به المتعلم بمساعدة معلمه في الدّروس العادية هامّ، فهو يتدرّب على التعرّف على كيفية طرح الكاتب للإشكالية وعلى أطروحته وما إلى ذلك... غير أن تعدّد المهامّ التي على المعلم أن ينجزها خلال الدّرس الواحد وضغط البرنامج وعدد التلاميذ ونوعية التعامل مع النصّ كسند للدّرس... كلّ هذا يحدّ من فرصة مشاركة المتعلم مشاركة فعّالة في صياغة الإشكالية بنفسه صياغة سليمة، أو تحديد الأطروحة بنفسه بكيفية دقيقة إذ عادة ما يقوم بذلك واحد من التلاميذ، أو حتى المعلم هو نفسه في حالة تعثّر تلاميذه.
من هنا جاءت فكرة تخصيص حصّة أسبوعية مع نصف تلاميذ الفصل لتدريبهم على القدرات الجزئية التي تقتضيها الكتابة الفلسفية. فما هي أهمّ هذه القدرات؟ ما هي التمارين التي يمكن اعتمادها لتدريب التلاميذ عليها؟
فالقدرات المستهدفة لدى المتعلم أن يتوصل إلى:
- تمييز الخطاب الفلسفي عن الرأي doxa.
- تمييز الخطاب الفلسفي عن الخطاب الإعلامي والخطاب الأدبي.
- تمييز السؤال الفلسفي عن غيره من الأسئلة.
- تحديد إشكالية النصّ والتعبير عنها تعبيراً سليماً.
- الاشتغال على الرّوابط المنطقية في النصّ حتى يصبح قادراً على رصد لحظات الأشكلة والمفهمة وتبيّن البنية الحجاجية في النصّ، وحتى يصبح هو نفسه قادراً على استعمال تلك الرّوابط في كتابته الفلسفية.
- الانتقال من الكلمة ذات الدّلالة العامّة notion وهي عادة دلالة ضبابية إلى المفهوم concept الذي يتحدّد ويتدقّق دائماً داخل إشكالية ما وضمن مسار حجاجي ما.
- الكشف عن شبكة العلاقات بين المفاهيم في النّص الفلسفي ممّا يساعد على الكشف عن كيفية تعامل الكاتب مع المشكل المطروح وعن أطروحته ورهاناته. خاصّة إذا علمنا أنّ المفهوم الفلسفي لا تتحدّد دلالته إلاّ ضمن منظومة المفاهيم الواردة في النصّ.
- تمييز الحجاج الفلسفي عن البرهان الرّياضي.
- تمييز الحجاج الفلسفي عن الحجاج السفسطائي.
- التعرّف على بعض أشكال الحجاج الفلسفي.
- تحديد دور المثال في الحجاج الفلسفي.
- استخلاص مكاسب النصّ.
- تنسيب أطروحة.

رابعاً، كيف يستعد المعلم للحصص التعليمية المشتملة على تمارين:


1 - ينظّم دروسه بحيث يكون ما يقوم به في حصص التدريب تدقيقاً للمهارات المستخدمة في الحصص العادية، وما يقوم به في الحصص العادية تدعيماً لتلك المهارات.
2 - يختار نصوصه وتمارينه بكلّ دقّة بحسب أهداف دقيقة يخطّط لها سلفاً.
3 - أن تكون هذه النصوص والتمارين قابلة للإنجاز في حصّة واحدة بساعة، وما من شأنه أن يعين المعلم على ذلك تكليف تلاميذه بأعمال منزلية (تمارين لإنجازها في المنزل).
4 - يجب أن تكون الأسئلة المطروحة على التلاميذ مدروسة بحسب الأهداف التي يريد الأستاذ أن يحقّقها.
5 - يتعيّن على المعلم أن ينجز تلك الحصص بكيفية متدرّجة وأن يُشعر تلاميذه بأنّ القدرات التي يتدرّبون عليها لا قيمة لها إلاّ في علاقتها ببعضها في إطار عمل متكامل هو المقال.
6 - عند إصلاح كلّ فرض يساعد المعلم تلاميذه على استثمار مكتسباتهم المنهجية من حصص التدريب.

خامساً، أشكال تطبيق التمرين:


يمكن تطبيق التمرين وِفق أشكال عدة أو على مراحل:


أ – عمل فردي: الطلب من كل متعلم ان يختار على حدة اثنتان من التعاريف التي يعتبرها أكثر ملاءمة من غيرها لتحديد المفهوم، مفهوم التفلسف هنا، ثم اثنتان من التعاريف التي يعتبرها الأقل ملاءمة، الأبعد عن المفهوم قيد الدرس. ثم على المتعلم أن يقوم بتبرير خياراته لجهة القبول ولجهة الرقص من خلال مبادرته إلى إنتاج كتابيّ معلّل.
ب – عمل مجموعات صغيرة: تتكون كل مجموعة من تلميذين إلى خمسة. يطلب منهم توضيح خياراتهم لبعضهم البعض ومناقشة التعليلات والحجج التي استندوا إليها في إنتاجهم الكتابي. والمقصود من هذه الخطوة الثانية ليس وضع المتعلمين في وضعية إقناع بعضهم البعض بخياراتهم وبحجيتهم، بل المقصود تفهم كل متعلم لوجهات نظر الآخر، بحيث يغتني تصوره للمفهوم بتصورات الآخرين وآرائهم.
ج – عمل جماعي: يستحسن استخدام اللوح إذ يفترض أن يقوم المعلم بجمع الحجج والكلمات المحورية المختلفة والمتمايزة في عمود أول. ثم يطلب من المتعلمين، وكل بدوره أن يبادروا إلى تصنيف الحجج أو المصطلحات الرئيسية في عمود ثان شرط عدم تكرار حجج أو كلمات محورية متشابهة تمت مناقشتها في المجموعة الصغيرة. ثم يعمد المعلم أخيراً إلى توضيح ومناقشة ما كتب على اللوح مع المتعلمين وذلك بقصد اعتماد خصائص أساسية محددة للمفهوم قيد البحث.
د – نشاط مبتكر: للمعلم أن يبتكر تمريناً أو نشاطاً خاصاً بحيث قد يحوّل دراسة المفهوم إلى مشروع بحثي يُشرك فيه جميع المتعلمين، يمكن له أن يقيم منتدى حواري حول الموضوع داخل الصف واستضافة ضيوف من خارج المدرسة من المختصين، وهكذا.
هـ – خلاصة شاملة: يتوجب على المعلم في نهاية التمرين أن يقدّم للمتعلمين خلاصة تربط خصائص المفهوم قيد البحث بموقعه من التفلسف، من الحقب المعرفية والنزعات والمذاهب الفلسفية، كما يفترض به أن يبين للمتعلمين علاقة هذا المفهوم ببعض الإشكاليات، ببعض أوجه التساؤل المختلفة والمتنوعة حول المفهوم الواحد. وليس المقصود بالأشكلة في التمرين تمرس المتعلمين برصد الإشكاليات وصياغتها، فهذه المهارة يمكن أن تكون موضوعاً لتمارين أخرى، بل جل ما يطمح إليه هذا التمرين هو أن يكون المعلم قادراً على تنبيه ذهن المتعلمين إلى ما تقدمه الحلول والإجابات الفلسفية المختلفة من غنى وإثراء في خصائص المفهوم قيد البحث، فالاختلافات المشاهدة عند الفلاسفة حول المفهوم الواحد ليست خلافات أو صراعات عقائدية بل هي ركيزة تتأسس عليها الرؤية التكاملية الأبعاد للمفهوم الواحد.

سادساً، كيفية وضع التمرين:


بالنسبة إلى تمييز الخطاب الفلسفي عن الرأي، يمكن أن يختار المعلم نصّاً يناقش رأياً ويدحضه. يكون النصّ مصحوباً بأسئلة يجيب عنها التلاميذ في البيت. ويمكن أن تكون هذه الأسئلة على النحو التالي:
· ما هو الرأي الذي يناقشه الكاتب في النصّ؟
· كيف يبدو هذا الرأي؟
· ما منشأه؟
· هل يتنزّل بالنّسبة إلى القائلين به في إطار إشكالية محدّدة؟
· هل يقوم على حجج؟
· هل يكتفي الكاتب بمقابلة هذا الرّأي آخر؟
· كيف يناقش هذا الرأي؟
· لأيّة غاية؟
· ما هي بصفة عامّة خصائص الرأي وخصائص الخطاب الفلسفي؟
· كيف هي العلاقة بين الرأي والخطاب الفلسفي؟
ثم يستثمر المعلم نتائج هذه المقارنة في بيان الكيفية التي يجب أن يعامل بها التلاميذ النصّ الفلسفي في التحليل.

À بالنسبة إلى تحديد إشكالية النصّ والتعبير عنها بكيفية سليمة، بإمكان المعلم ان يختار نصّا مصحوباً بأسئلة تساعد الإجابة عليها على تحقيق هذا الغرض. مثلاً:
· ما هو السؤال الذي يجيب عنه النصّ؟
· ما هي إجابة الكاتب على هذا السؤال؟
· ما هي الإجابة المستبعدة؟
· ما هي المسلّمات الضمنية للسّؤال؟
· ما هو هدف الكاتب من كتابة هذا النصّ؟
· صغ إشكالية النصّ في ضوء الإجابة على هذه الأسئلة.
مثلاً، بالنّسبة إلى نصّ سبينوزا «هل نعرف الجسد؟»، السؤال المطروح هو: «كيف هي علاقة النّفس بالجسد؟»، إجابة الكاتب هي: «النفس والجسد وجهان الحقيقة واحدة»، الإجابة المستبعدة هي: «النفس والجسد جوهران متمايزان»، ضمنيات السؤال «الإنسان نفس وجسد»، رهانات الكاتب هي «الكشف عن مدى جهلنا بالجسد وبيان مستطاعه ومدى دوره في تحديد ماهية الإنسان». والإشكالية هي إذن: إذا سلمنا بأنّ الإنسان نفس وجسد، فكيف هي العلاقة بينهما؟ هل هي علاقة انفصال قد يؤدّي الإقرار بها إلى تجاهل مستطاع الجسد ومدى دوره في تحديد ماهية الإنسان؟ أم أنّ النّفس والجسد وجهان لحقيقة واحدة كما يذهب إلى ذلك سبينوزا في هذا النصّ من «علم الأخلاق»؟ وأيّ النتائج يمكن أن تنجم عن هذا الإقرار؟

À بالنسبة إلى الرّوابط المنطقية يمكن الاشتغال على نصّ يُطلب من التلاميذ وضع سطر تحت الرّوابط المنطقية فيه واستخلاص نوعية العلاقات التي تعبّر عنها: استنتاج، استدراك، لزوم، تضمّن، تقابل... واستنتاج دور هذه الرّوابط في الأشكلة والمفهمة والحجاج.

À بالنسبة إلى الانتقال من الكلمة ذات الدّلالة العامّة notion إلى المفهوم concept يمكن تدريب التلاميذ على تجاوز الدّلالة العامّة للكلمات وهي عادة دلالة ضبابية وذات طابع عفوي إلى دلالة العامّة لكلمة وينتهي إلى مفهوم محدّد لها في إطار معالجة إشكالية ما لتحقيق هدف ما (مثلاً نصّ سبينوزا عن الحرّية).

À بالنسبة إلى الكشف عن شبكة العلاقات بين المفاهيم في النص الفلسفي يمكن اعتماد نصّ يطلب من التلاميذ تبيّن العلاقات التي تربط بين المفاهيم فيه سواء أكانت علاقات تقبل أو لزوم أو تماهي إلخ... واستنتاج دور هذه العلاقات في بلورة أطروحة الكاتب مثلاً.

À بالنسبة إلى تمييز الحجاج الفلسفي عن البرهان الرّياضي يمكن الاشتغال على برهان رياضي ونصّ يتضمّن حجاجاً فلسفياً، يطلب من التلاميذ تأمّل البرهان الرّياضي والحجاج في النصّ الفلسفي واستخلاص الفروق بينهما، ثمّ تقارن الاستخلاصات وتصاغ في شكل مذكّرة تأليفية. ونفس الشيء بين الحجاج الفلسفي والحجاج السفسطائي، على أنّ التمرين قد يتمّ من خلال نصّ لأفلاطون لأسباب تمليها طبيعة الفلسفة الأفلاطونية بما هي فلسفة موجّهة ضدّ السّفسطة، أو من خلال المقارنة بين قياس فلسفي يحرص على أن يكون منطقياً وقياس سفسطائي ليس له من المنطق سوى الظّاهر.

À بالنسبة إلى أشكال الحجاج الفلسفي يمكن تحقيق ذلك من خلال نصوص لفلاسفة مختلفين تتضمّن أنماطاً مختلفة من الحجاج.

À بالنسبة إلى تحديد دور المثال في الحجاج الفلسفي يمكن الاشتغال على نصّين أحدهما تعتمد فيه الأمثلة لتدعيم فكرة، والآخر تعتمد فيه كأمثلة مضادة لدحض أطروحة نقيضة.

À بالنسبة إلى المكاسب والحدود يمكن اعتماد نصوص مصحوبة بأسئلة تساعد التلاميذ – مثلاً – على استخلاص النتائج الإيجابية أو السّلبية، المعرفية أو العملية، التي يمكن أن تنجم عن تبني الأطروحة.

سابعاً، نماذج من التمارين:

نموذج رقم 1 (الكشف عن الجواب الصحيح المتعلق بنص فلسفي):
«يتميز الفن عن الحرفة، فالفن نشاط حر في حين أن الحرفة نشاط ارتزاقي، فإننا نعتبر الأول كما لو كان غير قادر على تحقيق غايته (نجاحه) إلا بوصفه لعباً، أي كنشاط شاق وممتع في حد ذاته. أما الثاني فنعتبره شغلاً، أي كنشاط خالٍ في حد ذاته من المتعة ومتعب وغير جذاب إلا بما يؤدي إليه من نتائج (كالحصول على الأجرة مثلاً بعد العمل)، ومن ثم يمكن أن يكون مفروضاً على الإنسان بصورة إلزامية».


«إيمانويل كانط»


- المدة الزمنية: 20 د.
- الهدف: بناء قدرة المتعلم على فهم النص الفلسفي واستخراج الأطروحة والإشكالية والحجج.
- الأسئلة:
· ضع علامة على الجواب الصحيح:
أ – إشكال النص هو:

- هل الحرفة متناسبة مع ماهية الإنسان؟
- ما هي وظيفة الإبداع الفني؟
- فيما يختلف الفن عن الحرفة؟
- هل يمكن اعتبار الفن عملاً؟

ب – أطروحة النص هي:

- الإنسان حيوان فنان وصانع بامتياز.
- الفن نوع من أنواع العمل.
- الفن غير ضروري في الحياة العملية للإنسان
- الفن نشاط حر وممتع في حين أن الحرفة نشاط إجباري وشاق

ج – الحجج التي يدافع بها صاحب النص عن أطروحته هي:
- الفنان يساهم في تطور المجتمع لأنه يمارس عملاً.
- الإبداع الفني ظاهرة خاصة بالإنسان.
- في حين ترتبط غاية الحرفة بما هو مادي وارتزافي، غاية الفن هي المتعة الجمالية الوجدانية الحرة.
- الفن نشاط إنساني يتطلب عنصر الموهبة.


نموذج رقم 2 (تحديد الحجج ومقارنتها):


النص الأول: «وكنت أبغي ذلك أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة وأن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين والهمجيين، وأن حضارة الأمم وثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها، ولذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. وكنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعاً أن يوجه انتباهه إليها وأن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته واستمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون والضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشداً بشخص آخر...».


«ديكارت»


النص الثاني: «إن كل من يريد حقاً أن يصبح فيلسوفاً، يجب عليه أن يعود إلى ذاته ولو مرة في حياته، وأن يحاول في داخل ذاته قلب جميع المعارف المسلم بها إلى حد الآن، وأن يحاول بعد ذلك إعادة بنائها من جديد. إن الفلسفة – الحكمة – هي على نحو ما أمر يهم شخص الفيلسوف نفسه. فالفلسفة يجب أن تتشكل بوصفها خاصة به، بحيث تكون هي حكمته الخاصة به. ومعرفته التي وإن كانت تنزع نحو الكونية، فإنها يجب أن تكون مكتسبة من طرفه، وأن يكون بمقدوره وتبريرها انطلاقاً من بدايتها وفي كل مرحلة من مراحلها بالاعتماد على حدوسه المطلقة. وما دمت قد اتخذت قرار السعي نحو هذه الغاية – وهو القرار الذي يمكنه وحده أن يقودني إلى الحياة وإلى التناول الفلسفي بشكل أوسع وأرحب – فإنني بذلك أكون قد اعترفت في الوقت نفسه بفقر فيما يخص المعرفة. وعندئذٍ يصبح جلياً أنه يجب علي أولاً، أن أسأل نفسي كيف يمكنني أن أجد منهجاً يكون كفيلاً بمنحي الطريقة التي سأتبعها للوصول إلى المعرفة الحقة.


E. Husserl, Me'ditation
Cartesiennes (1929 ed. Vrin….)


- المدة الزمنية: 20 د.
- الأهداف:
1 – اكتساب المتعلم لقدرات نقدية للتحرر من الأحكام المسبقة.
2 – قدرة المتعلم على اثارة اسئلة و صياغة اشكاليات .

· الأسئلة:
1 – استخرج الأطروحة من النص الأول والثاني وبيّن معانيهما الفلسفية.
2 – حدد نمط الحجاج لدى المفكرين.
3 – حدد التغير الحاصل في مقاربة المسألة بين تفسير وحجج النص الأول وتفسير وحجج النص الثاني.

نموذج رقم 3 (قراءة فلسفية موجهة):
«تشكل الفلسفة بدون شك (...) رغبة في المعرفة وفي الحكمة وحبالهما. ويمكن لنا أن نقبل الفكرة التي تقول: «إن الشخص الذي يطرح سؤالاً فلسفياً ما يريد من وراء ذلك، التوصل إلى المعرفة، ولكن سؤالاً مثل، أين توجد المحطة؟» لا يبدو إجمالاً أنه سؤال فلسفي، لماذا؟ لأن ممارسة الفلسفة تستوجب بالفعل قصدية حاضرة في السؤال ذاته (...) ولا يمكن لأي سؤال أن يكون في ذاته فلسفياً بدون هذه القصدية (...).
إن السؤال الفلسفي يفترض مسبقاً شكاً في الجواب باعتباره معرفة، لا بمعنى أن الجواب ذاته «يمكن احتمالاً» أن يخضع للشك، كأن نجد أن المجيب يرتبك وأن الجواب ينقصه الوضوح الكافي. إن الشك هنا شك قبلي (...) ويجب أن نعطي لهذا الشك القبلي كل معانيه: إن السؤال الفلسفي – الذي قلنا سابقاً إنه يتخذ المعرفة كموضوع له – يفترض في الواقع أن المعرفة مستحيلة أو على الأقل أن هناك معرفة مزعومة، معرفة ليست في الواقع معرفة.
والنتيجة هي أن السؤال الفلسفي – باعتباره سؤالاً – لا يمكن أن يطرح على الشخص الذي يعرف، أي من يمتلك المعرفة. إن الفلسفة هي قبل كل شيء شك في امتلاك المعرفة. وهذا ما يظهره جيداً الحوار الأفلاطوني، حيث نجد سقراط يسأل الذين يقدمون أنفسهم (...) كممتلكين للمعرفة، ويظهر الغياب الفعلي للمعرفة لديهم (...) إن الإنسان الذي يطرح عليه السؤال الفلسفي هو ذاك الذي يعتقد بأنه يمتلك المعرفة، والسؤال الفلسفي يحطم هذا الاعتقاد البديهي.
ويبدو أن نمط التساؤل الفلسفي يشكل خاصية أساسية أخرى، فهو تساؤل وليس مجرد سؤال. إن السؤال المنفرد لا يكفي وحده لكي يشكل سؤالاً فلسفياً، إذ يجب على السؤال الفلسفي أن يكرر، لا بمعنى تكرار نفس السؤال (...) بل بمعنى تكرار سؤال آخر ينتمي إلى نفس التساؤل الفلسفي (...) ما هو الطابع العام للجواب الفلسفي؟
يجب على هذا الطابع العام أن يصدر عما سبق قوله عن التساؤل الفلسفي. أولاً يجب على الجواب أن يقدم ذاته كمعرفة ما دام موضوع السؤال الفلسفي هو المعرفة. بعد ذلك يجب أن يكون مرتبطاً بالشك الذي يكون في الآن نفسه قبلياً وشاملاً على الدوام لكل ما سيقال، أي لهذه المعرفة التي سيحملها الجواب بالضبط وأخيراً يجب أن يتمفصل بشكل دقيق وبرهاني، ما دام السؤال الفلسفي غير منعزل، وما دام التساؤل الفلسفي يقتضي استعادته باستمرار حتى يتم التوصل إلى مبدأ أول. إن الطابع العام للجواب الفلسفي، إذن، هو أن يظهر في شكل ما يسمى عادة بالخطأ ب (...) ويجب أن نؤكد على أنه لا يمكن أن يوجد خطاب واحد بدون تنوع الخطابات الفلسفية (...) ولا يمكن لأي خطاب أن يكون منعزلاً. إن الخطاب يحمل دائماً إجابة ما. بهذا المعنى، لا يوجد خطاب فلسفي واحد، بل توجد خطابات فلسفية عديدة.


Alain Juranville "Locan et la Philosophie"
P.U.F. pp.56-67


- المدة الزمنية: 20 د.
- هدف التمرين:
1- اعتماد المتعلم الشك كمنطلق للنظر الى العلوم والمعارف المختلفة.
2- قدرة المتعلم على طرح اسئلة تتجاوز السائد و الموروث.
3- ان يحسن المتعلم استخراج المفاهيم الرئيسية في النص الفلسفي .

· الأسئلة:
1 – استخرج أطروحة النص.
2 – بيّن مدى نجاح الفيلسوف في الدفاع عن الأطروحة.
3 - وضّح الأطروحات المختلفة التي تناولت المسألة نفسها.

نموذج رقم 4 (تمرين شامل):
ها إن الناس جميعا أو يكادون، يتفقون على إكساب كل ما هو نفسي سمة عامة تعبر عن جوهره ذاته، وهذا أمر غريب. هذه السمة الفريدة، التي يتعذر وصفها، بل هي لا تحتاج إلى وصف، هي الوعي. فكل ما هو واع نفسي، وعلى عكس ذلك فكل ما هو نفسي واع. وهل ينكر أمر على هذا القدر من البداهة ؟ ومع ذلك فلنقر بأن هذا الأسلوب في النظر قلما وصّح لنا ماهية الحياة النفسية إذ أن التقصي العلمي يقف ههنا حسيرا، ولا يجد للخروج من هذا المأزق سبيلا. (...) فكيف ننكر أن الظواهر النفسية خاضعة خضوعا كبيرا للظواهر الجسديُة، وأنها على عكس ذلك تؤثر فيها تأثيرا قويا ؟ إن أرتج الأمر على الفكر البشري، فقد أرتج عليه يقينا في هذه المسألة، وقد وجد الفلاسفة أنفسهم مضطرين لإيجاد مخرج، إلى الإقرار على الأقل بوجود مسارات عضوية موازية للمسارات النفسيّة ومرتبطة بها ارتباطا يعسر تفسيره (...) وقد وجد التحليل النفسي مخرجا من هذه المصاعب إذ رفض رفضا قاطعا إن يدمج النفسي في الواعي . كلا، فليس الوعي ماهية الحياة النفسية، وإنما هو صفة من صفاتها، وهي صفة غير ثابتة، غيابُها أكثر بكثير من حضورها.
(...) ولكن بقي علينا أيضا أن ندحض اعتراضا. فرغم ما ذكرناه من أمور يزعم فريق من الناس أنه لا بجدر بنا أن نعدل عن الرأي القائل بالتماهي بين النفسي والواعي، إذ أن المسارات النفسيّة الني تسمى لا واعية قد لا تكون سوى مسارات عضوية موازية للمسارات النفسية. ومن ثمّ فكأنّ القضية التي نروم حلها لم تعد إلا مسألة تعريف لا طائل تحتها (...) فهل من باب الصدفة المحض أننا لم نصل إلى إعطاء الحياة النفسية نظرية جامعة متماسكة إلا بعد أن غيّرنا تعريفها ؟
وفوق هذا علينا أن نتجنّب الاعتقاد بأن التحليل النفسي هو الذي جدد نظرية الحياة النفسية هذه .(...) فقد كان مفهوم اللاشعور يطرق منذ أمد طويل باب علم النفس، وكانت الفلسفة كما كان الأدب يغازلانه، ولكن العلم لم يكن يعرف كيف يستخدمه. لقد تبنى التحليل النفسي هذه الفكرة، وأولاها كل عنايته وأفعمها بمضمون جديد. ولقد عثرت البحوث التحليليّة النفسيّة على خصائص للحياة النفسيّة اللاواعية لم تكن قبل ذلك متوقعة، وكشفت بعض القوانين التي تتحكم فيها. ولسنا نقصد من ذلك أن سمة الوعي قد فقدت من قيمتها في نظرنا. فما زال الوعي النور الوحيد الذي يسطع لنا ويهدينا في ظلمات الحياة النفسية. ولما كانت معرفتنا ذات طبيعة مخصوصة، فان مهمتنا العلمية في مجال علم النفس ستتمثل في ترجمة المسارات اللاواعية إلى مسارات واعية حتى نسد بذلك ثغرات إدراكنا الواعي.


فرويد


- المدة الزمنية: 30 د.
- الهدف: قدرة المتعلم على تحليل وتفكيك النص الفلسفي.
خطوات مقترحة لطرح الأسئلة وتحليل النصّ:
1. تحديد إشكالية النص: السؤال الضمني الذي يمثل النص ككل إجابة عنه.
2. تحديد أطروحة النص: موقف صاحب النص من الإشكالية.
1.2 رصد العبارة الفلسفية الحاملة للأطروحة.
2.2 تحليل هذه العبارة: المفاهيم + العلاقات...
3. تحليل البنية الحجاجية للنص:
1.3 البدء دائماً بتحديد الإستراتيجية الحجاجية للنص: إثبات، دحض، سجال.
2.3 تحليل البنية المنطقية للنص؛ أي الاستدلالات.
3.3 تحليل البنية البلاغية للنص: بلاغة الإقناع لا بلاغة الإمتاع.


خاتمة

لا يمكن القول أن التمارين الفلسفية – بما هي أنشطة تفكيرية تساعد المتعلمين على التفلسف وعلى الكتابة الفلسفة – يمكن تحديدها بأنماط أو أشكال نهائية. فكما أوردنا في مقدمة بحثنا أن المعلم المبدع يستطيع أن يطوع التمارين طبقاً لاحتياجات المتعلمين التي قام بتشخيصها، ربما لا يتعارض مع المقرر منهجياً. فليس التمرين الفلسفي «خلطة» جاهزةً بل هو إفادة مما سبق لآخرين إنجازه وإعداده من ناحية، وهو إبداع وابتكار من ناحية أخرى.
وعلى الرغم من ضرورة استخدام المعلم للتمارين وسواها من الأنشطة في كافة مجالات التعليم الفلسفي، إلا أن المعلم يجد متعةً ومجالاً أكثر رحابةً في وضعه للتمارين أو الأسئلة الحجاجية أكثر من سواها وهنا نود اقتراح مجموعة من التمارين الحجاجية لخدمة المعلم من خلال الأسئلة الهادفة التالية:
1 – وضّح من خلال الحجج التالية أين يبدو عدم التماسك المنطقي. ويقدم مجموعة من الحجج.
2 – من أجل إبطال المغالطات المنطقية: أبرز خطأ البرهان في هذين القياسين.
3 – من أجل التعرف على صنف الحجة المستعملة يطلب من التلميذ ربط الحجة التالية بما يناسبها من أنواع الحجج في العمود المقابل.
4 – من أجل «مقارعة الحجة بالحجة من نفس الطبيعة» يطلب من التلميذ أن يقوم بالاعتراض على حجج مقترحة.
5 – من أجل «تفنيد الحجة بتغيير طبيعتها القيمية» يطلب من التلميذ أن يفنذ الحجج التالية بواسطة بعض الحجج من طبيعة أخلاقية.
6 – تمرين من أجل التدرب على تقديم الحجج المناسبة لكل أطروحة عن طريق تقديم أطروحة معيّنة ويليها مجموعة من الحجج يطلب من التلميذ أن يختار من بينها ما يدعم الحجة.
كما ونستفيد من صاحب كتاب «الحجاج في درس الفلسفة» الصادر عن دار أفريقيا الشرق عام 2006 اقتراحه ثمانية أنماط من التمارين في الحجاج الفلسفي يهدف كل واحد منها لهدف جزئي محدد.
- النمط الأول يهدف إلى فهم دلالة ومعنى «إقامة الحجة الفلسفية» عن طريق لعبة التناقضات بين الحجج الفلسفية وغير الفلسفية.
- النمط الثاني هدفه إقامة الحجة على الشك عن طريق الانطلاق من رأي ثم إقامة الحجة على رفضه كأطروحة بهدف وضعه محل سؤال. وهذا مثال: «أعرف الواقع بواسطة الحواس» لكن «الحواس تخدعنا» إذن هل معرفة الواقع بواسطة الحواس ممكنة؟.
- النمط الثالث هو الاشتغال على الحجج عن طريق اكتشاف تناقض الحجة منطقياً أو معارضتها بحجة من نفس طبيعتها أو من طبيعة مختلفة.
- النمط الرابع هدفه محاولة التركيب بين حجتين متناقضتين أو مختلفتين.
- النمط الخامس يهدف إلى تحديد نوع الحجج ومجالاتها ووظائفها.
- النمط السادس هدفه تدريب المتعلم على تفكيك النص إلى سلسلة من الإثباتات والوقوف عند تمفصلاته من خلال إجراءاته المنطقية التي تربط بين تلك الإثباتات والتي تؤدي إلى استخراج الأطروحة وتحديد حججها.
- النمط السابع يهدف إلى تحديد الأطروحة الأساسية في نص فلسفي معيّن.
- النمط الثامن يهدف إلى تعلم قراءة نص فلسفي في جانبه الحجاجي أي تحديد جهازه التلفظي وبنيته وأهداف حججه وإستراتيجياتها.
ألا تساعد مثل هذه التمارين في تحسين تفكير التلميذ؟ تفكيره الذي هو مشكلة تعليمنا الأولى..



المراجع

الكتب:


– Michel Tozzi, Penser par soi – meme-
– Fichiers d'exercices, Philosophie. Editions Magrad.-
– ب. ديكتسون، العلم والمشتغلون بالبحث العلمي في المجتمع الحديث. سلسلة عالم المعرفة: 112 الكويت 1987 ص188.
– Kant (E): Critique de la faculte de juger, ED. Vrin 1968, p:135.
– عبد الكريم غريب – بيدانموجياً الكفايات – منشورات عالم التربية – 2004 – ص32.




الروابط الالكترونية


1 – http: //www.edunet.tn/resources/resdisc/philo/philoens-htm-33k
2 – http: //www.philagora.net/philo.htm
3 –
http://www.philomartil.com/
4 – http: //www.dahsha.com/veiwarticle.php?

5 – http: //hijaj.net/login.php?redirect

‏ليست هناك تعليقات: